ليست المشكلة في أن يطالب الشباب بالحرية فالحرية حقٌ أصيل لكل إنسان وإنما تكمن المشكلة حين تُفهم الحرية على أنها غيابٌ للمسؤولية وكأن الإنسان يستطيع أن يفعل ما يشاء دون أن يتحمل نتائج أفعاله فكل حق يقابله واجب وكل قرار يترك أثرًا وقد يمتد هذا الأثر إلى حياة آخرين لا ذنب لهم
في السنوات الأخيرة شهد المجتمع مواقف مؤلمة دفعتنا إلى إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة هل تراجع الإحساس بالمسؤولية لدى بعض الشباب؟ إن القضية لا تتعلق بعمرٍ معين ولا بجيلٍ كامل وإنما بمنظومة من القيم التي تتشكل داخل الأسرة وتنمو في المدرسة وتتأثر بالمجتمع والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وقد عبّر المفكر والأديب المصري أحمد أمين عن هذه الحقيقة في كتاب فيض الخاطر بقوله: ( هذا الشعور بالواجبات الاجتماعية لا يُخلق مع الإنسان يوم أن يُولد ولكن المجتمع الذي يعيش فيه هو الذي يُكوِّنه ويربي عنده شعوره بالأمة بجانب شعوره بذاته وذلك بواسطة التربية في الأسرة وفي المدرسة ) فالمسؤولية ليست غريزة بل قيمة تُغرس في النفوس منذ الصغر حتى تصبح جزءًا من شخصية الإنسان ولذلك فإن البيت لا يقتصر دوره على توفير المأكل والملبس بل يصنع الضمير قبل أن يصنع المستقبل فالطفل الذي يتعلم احترام الآخرين والاعتراف بخطئه وتحمل نتائج أفعاله يكبر وهو يدرك أن الحرية لا تعني تجاوز الحدود وإنما تعني حسن الاختيار ويقول الأديب مصطفى صادق الرافعي في كتاب وحي القلم : ( إذا استقبلتَ العالمَ بالنفس الواسعة رأيتَ حقائقَ السرور تزيد وتتسع وحقائقَ الهموم تصغر وتضيق ) فالإنسان الذي نشأ على الرحمة والوعي لا يستهين بألم غيره ولا يتعامل مع أخطائه ببرود لأن الضمير الحي هو أول رقيب على السلوك كما يؤكد أحمد أمين في كتاب فيض الخاطر بقوله : (أريد بالرجولة صفةً جامعةً لكل صفات الشرف... وشعورًا عميقًا بأداء الواجب مهما كلَّفه من نصب) فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملكه من حقوق بل بقدر ما يتحمله من واجبات ولا بقدرته على الإفلات من الخطأ بل بشجاعته في الاعتراف به وتحمل نتائجه إن النقد هنا ليس موجهًا إلى جيل كامل فبين شباب اليوم نماذج مشرقة تبعث على الفخر والأمل لكن من واجبنا أيضًا أن نتوقف أمام السلوكيات التي تستحق المراجعة فالتربية ليست ترفًا والضمير ليس كلمة تُقال بل هو الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان وفي النهاية إذا أردنا مستقبلًا أكثر أمنًا ووعيًا فعلينا أن نعيد الاعتبار للتربية قبل العقاب وللقدوة قبل النصيحة وللغرس قبل الحصاد فالحرية لا تكتمل إلا بالمسؤولية والمجتمعات لا تنهض بكثرة الشعارات وإنما تنهض بأبناء يدركون أن احترام حياة الآخرين ليس خيارًا بل واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يسقط مع الزمن
